أمين جادو يكتب: حلم الطاقة الشمسية.. لماذا نتحرك على إيقاع الأزمات؟

نشر في:
الإثنين 4 مايو 2026 – 11:04 ص
| آخر تحديث:
الإثنين 4 مايو 2026 – 11:04 ص
ارتفعت الأسعار، وقبل أن يسأل الناس لماذا؟ كانت الإجابة جاهزة وحاضرة في كل مكان؛ الحرب، والمضيق، والوقود المستورد الذي بات يكلّف ما يرهق الموازنة ويضغط على العملة الأجنبية.
في تلك اللحظة، بدأ الجميع يتحدث عن الطاقة الشمسية، كأن الشمس اكتُشفت فجأة، وكأن مصر لم تكن، منذ البداية، تملك من مقومات هذا المورد ما يؤهلها لأن تكون في مقدمة الدول في هذا الملف. الحقيقة أن الشمس لم تتغير، الذي تغيّر هو ثمن تجاهلها.
أعمل في قطاع الطاقة المتجددة منذ سنوات، ورأيت هذا النمط يتكرر بوضوح في كل أزمة، كلما ارتفع سعر الوقود، ارتفع الاهتمام بالشمس، وحين تهدأ الأسعار نسبيًا، يعود الاهتمام إلى ما كان عليه. نحن، في كثير من الأحيان، نبني سياسات الطاقة على إيقاع الأزمات، لا على أساس رؤية استراتيجية واقعية قابلة للتنفيذ.
المشكلة أن هذه المرة مختلفة، ليس لأن الأزمة تبدو أكبر الآن، بل لأن الهامش الذي كنا نختبئ فيه لم يعد موجودًا. لم يعد مقبولًا أن نستمر في إدارة ملف الطاقة بمنطق رد الفعل، في بلد أنعم الله عليه بمعدلات سطوع شمسي مرتفعة، وبمستويات إشعاع تجعله من البيئات الواعدة للطاقة الشمسية، فضلًا عن ظروف مناخية مساعدة، من بينها انخفاض الرطوبة في مناطق واسعة وفي أغلب أقات السنة، وهو ما ينعكس إيجابًا على كفاءة التشغيل والأداء الفني لمنظومات الطاقة الشمسية. فوفق البيانات الرسمية، تتمتع مصر بعدد ساعات سطوع يتراوح في المتوسط بين نحو 2900 و3200 ساعة سنويًا، بما يمنحها أفضلية لا يجوز التعامل معها باعتبارها مجرد عنوان بيئي، بل باعتبارها أصلًا اقتصاديًا واستراتيجيًا واضحًا.
لكن الحقيقة التي لا يقولها كثيرين هي أن التوسع في الطاقة الشمسية، بمفرده، لا يحل المشكلة. في السنوات الأخيرة برز تناقض واضح، قدرات التوليد الشمسي تنمو، لكن الشبكة الكهربائية التي يفترض أن تستوعب هذه الطاقة وتنقلها وتديرها لم تواكب هذا النمو بالسرعة نفسها. لقد بُنيت أجزاء معتبرة من الشبكة في زمن كانت فيه المنظومة أكثر مركزية وأكثر اعتمادًا على الوقود التقليدي. أما الطاقة الشمسية، فهي بطبيعتها مورد متقطع زمنيًا؛ تنتج حين تشرق الشمس، وتتراجع حين تغيب، بينما تقع فترات الذروة الفعلية للاستهلاك في ساعات مسائية لا تتطابق بالضرورة مع ساعات الإنتاج الشمسي.
هذه الفجوة ليست تفصيلًا تقنيًا، بل هي قلب المسألة.
ما نحتاجه ليس فقط محطات توليد جديدة. نحتاج شبكة كهربائية أكثر ذكاءً ومرونة، قادرة على استيعاب الطاقة المتجددة وإدارتها بكفاءة. نحتاج منظومات تخزين بالبطاريات تجسر الفجوة بين العرض والطلب، أو بصورة أدق بين وقت الإنتاج ووقت الاستهلاك. ونحتاج أيضًا إلى إدارة مختلفة للطلب نفسه؛ بحيث تصبح الكهرباء أقل تكلفة نهارًا، حيث ساعات السطوع الشمسي، وأعلى تكلفة في ساعات الذروة، بما يشجع على تعديل سلوك الاستهلاك تدريجيًا. صحيح أن هذا المسار يحتاج وقتًا، لأنه يرتبط بتغيير أنماط استهلاك المجتمع، لكنه يظل جزءًا أساسيًا من أي إصلاح جاد في هيكل الطاقة. كما أن الإطار الرسمي لقطاع الكهرباء في مصر، سواء من خلال قانون الكهرباء رقم 87 لسنة 2015 أو من خلال التوجهات التنظيمية المعلنة، يفتح المجال لمثل هذه الأدوات إذا جرى تفعيلها على نحو منضبط ومدروس.
لكن هناك فكرة لا تأخذ حقها الكافي في النقاش العام، وهي أن مشكلة الطاقة في مصر ليست واحدة في كل مكان. هناك مناطق نائية تحتاج إلى مليارات الجنيهات لربطها بالشبكة القومية، بينما قد يكون الحل الاقتصادي والفني الأفضل فيها مختلفًا تمامًا.
في الوادي الجديد، حيث تمتد مساحات واسعة قابلة للاستصلاح الزراعي، تبرز بوضوح معضلة البعد عن شبكة الكهرباء القومية في عدد من المواقع. فالاحتياج إلى الكهرباء هناك قائم وملح، وغالبًا ما يجري تلبيته عبر مولدات تعمل بالديزل، بما يرفع تكلفة الإنتاج من ناحية، ويزيد الانبعاثات الناتجة عن الاحتراق من ناحية أخرى. وهنا تظهر أهمية النماذج اللامركزية التي تعتمد على مزيج من الطاقة الشمسية، وبطاريات التخزين، ومصدر تقليدي احتياطي عند الحاجة. هذه المنظومات تنتج الكهرباء حيث تُستهلك بالضبط، بلا فاقد نقل يُذكر، وبلا انتظار لمد خطوط على مسافات شاسعة، مع خفض الانبعاثات وتقليل تكلفة الطاقة، وهو ما ينعكس إيجابًا على تكلفة الإنتاج الزراعي وعلى الجدوى الاقتصادية للتنمية في هذه المناطق.
هذا النموذج، أي الشبكات المستقلة أو المصغرة، ليس حلًا للمناطق النائية فقط، بل يصلح أيضًا للمصانع البعيدة عن الشبكة، وللمنتجعات السياحية الساحلية، بل وحتى كمكوّن مساعد يخفف الضغط عن الشبكة القومية. فكل اعتماد مدروس على التوليد المحلي، ولو بنسبة محدودة، يعني تخفيفًا للأحمال بالنسبة نفسها تقريبًا على الشبكة العامة. وأحيانًا لا يكون الحل في بناء محطة أكبر، بل في بناء شبكة أصغر في المكان الصحيح.
مصر وضعت هدفًا وطنيًا واضحًا لزيادة مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة. والاستراتيجية المعلنة عام 2016 استهدفت الوصول إلى 42% بحلول 2035، ثم صدرت خلال الفترة الأخيرة تصريحات رسمية تتحدث عن تسريع هذا المستهدف إلى 2030. في حين أعلن رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي بداية أبريل الحالي أن الحكومة تسعى للوصول إلى 45% من الطاقة المتجددة من مزيج الطاقة عام 2028، والهدف في جوهره طموح وصحيح الاتجاه، لكن الوصول إليه، أيًا كان الأفق الزمني النهائي المعتمد، لن يكون آمنًا ولا اقتصاديًا ما لم تُعالَج اختناقات الشبكة، وتُضاف قدرات تخزين كافية، ويُبْنَ مسار تنفيذي واقعي وممول وقابل للتطبيق. فالمشكلة ليست في صياغة الأهداف، بل في تحويلها من أرقام لافتة في الوثائق إلى واقع تشغيلي مستقر على الأرض.
الخلاصة أن مصر لا ينقصها المورد، ولا ينقصها الموقع، ولا ينقصها السطوع الشمسي، ولا حتى المناخ الملائم في مساحات واسعة من أراضيها. ما ينقصنا، في أحيان كثيرة، هو الاستمرار في القرار. نتحرك بقوة حين تشتد الأزمة، ثم نفتر حين تهدأ، وهذه المرة لا ينبغي أن يتكرر ذلك. لأن الطاقة الشمسية لم تعد ترفًا بيئيًا، ولا خيارًا تجميليًا في خطابات التنمية، بل أصبحت جزءًا من صميم الأمن الاقتصادي، وأمن الطاقة، وقدرة الدولة على بناء نموذج تنموي أقل انكشافًا وأكثر كفاءة.
الإرادة هذه المرة لا ينبغي لها أن تنقطع.
أمين جادو
مهندس استشاري وخبير تنفيذي في مجال الطاقة المتجددة
للمزيد : تابعنا هنا ، وللتواصل الاجتماعي تابعنا علي فيسبوك وتويتر .



